صديق الحسيني القنوجي البخاري

577

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي نوجد الحياة في المخلوقات ونسلبها عنها متى شئنا ، وإن واللام تفيدان الحصر ، يعني لا يقدر على ذلك سوانا وبيدنا إحياء الخلق وإماتتهم ؛ والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته عز وجل وإنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته ، ولهذا قال : وَنَحْنُ الْوارِثُونَ أي للأرض ومن عليها لأنه سبحانه هو الباقي بعد فناء خلقه ، الحي الذي لا يموت ، الدائم الذي لا ينقطع وجوده ومصير الخلق إليه ، وللّه ميراث السماوات والأرض . وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ المراد علمنا من تقدم ولادة وموتا ومن تأخر فيهما ؛ وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها ، وقيل من تقدم في صف القتال ومن تأخر ، وقيل المستقدمون هم الأمم المتقدمون على أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من لدن آدم . والمستأخرون هم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة . وقيل المستقدمون من قتل في الجهاد والمستأخرون من لم يقتل . وقيل من خلق ومن لم يخلق بعد ، وقيل من أسلم أولا ومن يسلم آخرا ، واللفظ أوسع من ذلك ، واللام في الموضعين هي الموطئة للقسم . وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : كانت امرأة تصلي خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حسناء من أحسن النساء ، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه ؛ فأنزل اللّه هذه الآية ، وقد رواه عبد الرزاق وابن المنذر من قول أبي الجوزاء عن ابن عباس . قال الترمذي وهذا أشبه أن يكون أصح . وقال ابن كثير : في هذا الحديث نكارة شديدة وعن ابن عباس قال : المستقدمين الصفوف المتقدمة والمستأخرين الصفوف المؤخرة ، وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وعن مقاتل وعطاء إن الآية في صفوف القتال . وقال أحسن المستقدمين في طاعة اللّه والمستأخرين في معصية اللّه . وعن ابن عباس يعني بالمستقدمين من مات والمستأخرين من هو حي لم يمت ، وقال أيضا المستقدمين آدم ومن مضى من ذريته ، والمستأخرين في أصلاب الرجال ، وعن قتادة نحوه . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 25 إلى 31 ] وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 25 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 )